شؤون سياسية

حوار الأمين العام للحزب الاشتراكي السيد محمد الكيلاني مع مجلة "مدارات"

حوار الأمين العام للحزب الاشتراكي السيد محمد الكيلاني مع مجلة "مدارات"

إننا لما نتحدث عن ثورة، نعني تغيير السياق العام للمسار الذي تتبعه الأوضاع العامة بالبلد المعني بها، وهو تغيير نوعي بالضرورة. وتجدر الإشارة إلى أن النوعيات بصورة عامة متعددة، بحيث أنه منها ما يتولد الواحد من الآخر ويعمق باستمرار من تولد عنه، في اتجاه جواهر أعمق وأشمل.

وبما أن التغييرات المشار إليها بمثل هذا العمق، فإنها لا تحدث إلا لما تكون مسبوقة بثورة معرفية وثقافية تؤسس لنمط جديد من التفكير ومن الرؤية الخاصة للعالم. وهي حالة تسمى ثورة ثقافية. فهل أن الذي حدث في تونس سبقته ثورة ثقافية وإنتاج أفكار جديدة أم أننا بصدد العودة للسلف الصالح، أي لـ14 قرن خلت؟ وجوابنا يتمثل في أننا نشهد حالة تراجع وانهيار قيمي لم نعرف مثيلا له. ممَا يعني أننا تراجعنا ولم نتقدم. ومدلول هذا الكلام أننا لم نشهد الثورة واكتفينا بالحديث عنها. لقد تحرك شباب في حركة احتجاجية تلقفتها الفضائيات وحولتها إلى الشرارة التي أحرقت السهل لما تم تصويب نيران القناصة إلى عدد من الشبان كانوا هدفا سهلا للقنص. وباختصار كان الشباب محتجا وكان النقابيون محتجون وكان الشعب محتجا وغاضبا ولم يكونوا، جميعهم، ثوارا ضد نظام حكم ولم يكن لهم بديل سياسي ولا مشروع مجتمعي، وأغلبهم لا يعلم من النظام الجمهوري سوى مساوئ شكله الدكتاتوري ولم يسمع بالمجلس التأسيسي إلا وهو يتلقى درسا في قسم أو مدرج، وغالبا ما يخلط بين الحريات والديمقراطية، أي بين مجال الحركة الذي تتركه السلطة للمجتمع المدني بفرعيه الجمعياتي والسياسي وللمواطن بصورة عامة وبين الشكل الذي يتخذه نظام الحكم. وباختصار شديد لا يمكنني أن أظم صوتي للمتحدثين عن ثورة تونسية من نوع جديد، لأني أعتقد أن الثورة تولَد الجديد وتعيد تنظيم المجتمع وتؤسس لنوع جديد من العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعيد ترتيب المجالات العمومية والخاصة في إطار التفاعل بين مجالي الحرية والديمقراطية، وهو أمر لم يحدث ولم نر منه سوى بعض التغييرات الجزئية التي لا ترقى إلى مستوى التغييرات الثورية ولا يمكنها أن تطبع بطابعها الحراك الاجتماعي لتجعل منه ثورة. لذلك أنا جازم أن ما وقع في تونس لا يمكن اعتباره بأي شكل ثورة أو ما يشبه الثورة، بل هو توليد اجتماعي سياسي للوعي الديمقراطي، الذي بصدد البلورة في إطار الصراع ضد مشروع استبدادي باسم الدين يتجسد أمام أعيننا في نظام حكم. ممَا وفَر لنا إمكانية تثبيت وتأصيل القيم والمبادئ والمؤسسات التي تقوم عليها الديمقراطية باعتبارها الشكل الناجز للدولة البورجوازية في صيغة نظام الجمهورية.


إذا كان الفكر الجمهوري، يتعارض في المقام الأول، مع التسلط السياسي، أليست النظم الدستورية والقوانين، التي يقوم عليها كافية وحدها للدفاع عن الجمهوريات من التهديد الخارجي والداخلي ومن السلطوية ومن الفساد، فكيف ظهرت ثورات الربيع العربي في الجمهوريات واستثنت الدول الملوكية؟


الموضوع الذي تطرحونه له علاقة بالجيواستراتيجي وبالتحديد بـ "مشروع الشراكة من أجل إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وقد ظهر هذا المشروع منذ مطلع الألفية الثالثة، وكانت الإمبراطورية الأمريكية وراء بعثه لتجديد نظم الحكم التي أصابها الاهتراء وإدماج "الإسلام السياسي المعتدل" في الحياة السياسية، من خلال تشريكه في منظومة الحكم، لضمان رعاية مصالحها الإستراتيجية، والمتمثلة في وضع يدها على باقي مصادر الطاقة في المنطقة العربية (ليبيا والجزائر) وعلى ضفتي الصحراء الإفريقية وعلى العمق الإفريقي الغنيين بالمعادن الثمينة والبعض منها الذي يزخر بالأورانيوم. وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد وضعت يدها على الخليج وأرست قواعدها، بينما ظلت مكانتها في الشمال الإفريقي وفي إفريقيا في حاجة إلى إعادة ترتيب القوى وإلى نوع من التأهب الإستراتيجي، كي تنتحي مكانا لها بين منافستيها، فرنسا وألمانيا، وتتمكن من إيقاف التدخل الصيني في المنطقة. وقد حاولت إحداث هذه التغييرات بالاعتماد على "مشروع إصلاح" نظم الحكم بمشاركة القائمين عليها، لكنها وجدت معارضة كبيرة من قبلهم فاتجهت إلى تغييرها عن طريق الحراك الاجتماعي، وبالتالي عن طريق الثورة. وعلى هذا الأساس نشأت فكرة "الربيع العربي" في مكاتب إنتاج الأفكار الأمريكية منذ سنة 2006 ثمَ بدأت تشق طريقها إلى التنفيذ في سنة 2008 وانطلقت فعليا في أواخر سنة 2010 وبالتحديد منذ 17 ديسمبر 2010، من تونس. وخلاصة القول قامت "ثورات الربيع العربي" بإرادة وتخطيط أمريكيين أولا، وتفاعلا مع الغضب الشعبي، ثانيا، مما جعل الاستهداف بالتغيير شمل الجمهوريات، التي كانت تحت طلب التغييرات الجيواستراتيجية وحافظ من جهة أخرى على النظم الملكية الواقعة تحت "نظام البيعة الأمريكية".


بكلمة أخرى، هل الأنظمة الملوكية بمنأى عن رياح الربيع العربي خلافا لأنظمة الجمهوريات؟


نعم إنها في منأى عن رياح "الربيع العربي" إلا من كان من بينها قريبا من المحور الإيراني السوري.


كيف ترون منطقة شمال إفريقيا وهي مقبلة على تحولات عميقة نتيجة أحداث الربيع العربي؟


بما أن التحولات التي قد تشهدها منطقة شمال إفريقيا نتيجة فعل مزدوج: الصراع الدولي على المنطقة بين القوى العظمى، المغلف بـ"مشروع الشراكة من أجل إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" وبين الحراك الشعبي الذي يصل إلى حالات من الانتفاضات والعصيان بما فيها المسلح أحيانا دون أن يصل إلى مستوى الثورة، مما يوفر إمكانيات لا بأس بها للتأثير إيجابيا في مجرى تطور الأحداث وتأصيل مبادئ وقيم الديمقراطية، وذلك لما تحذق القوى الديمقراطية والتقدمية العمل في مثل هذه الظروف وتستغلها على الوجه الأفضل كي تظهر أمام الشعب التونسي ككتلة متحدة صاحبة مشروع بديل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، حينها فقط يمكن الحديث عن تحولات عميقة قد تحصل في اتجاه الانتقال الديمقراطي. لكن في حالة عدم توصَل القوى الديمقراطية والتقدمية إلى بناء وحدتها وإتباع سياسة واقعية فإنها سوف تؤثر في مجرى التغييرات التي قد تحصل في منطقة شمال إفريقيا رهينة الصراعات الدولية والقوى الرجعية والفاشستية العميلة لها وبذلك سوف تذهب أحلام شعوب المغرب العربي والشعوب العربية في مهب الريح.


كيف تقيمون الذي يحدث في مصر؟


"مصر أم الدنيا" بوزنها الحضاري وبثقلها السكاني وبموقعها الجغرافي الذي جعل منها إحدى محاور الصراع الدولي، وهي أيضا بمثقفيها وفنانيها ورواد الحداثة فيها وبتقاليدها السياسية، إحدى مآثر التاريخ الانساني. وقد أثرت بمثل هذا الثقل في كامل المنطقة العربية إيجابا. كما كان لها تأثير سلبي أيضا، فقد كانت موطن نشأة حركة الإخوان المسلمين، بتشجيع من المخابرات الأنجليزية، التي تحولت إلى "مفرخة" لإنشاء الجماعات المتطرفة في كامل المنطقة العربية ثم تحولت إلى مصدر للإرهاب الدولي باسم الدين عن طريق السلفية الجهادية التي تزاوجت فيها الحركة الوهابية بحركات "الجهاد الإسلامي"، وغيرها من الحركات التي تتخفى وراء خطاب إسلامي وتتبع منهجا إرهابيا.


ولا بد من القول أن ما يحدث في مصر يدخل في إطار "الربيع العربي" المؤطر من قبل الإدارة الأمريكية وهو أيضا في سياق الصراع التاريخي القائم بين المشروع الديمقراطي الحداثي وبين المشروع السلفي الرجعي اللذين تتكتل حولهما القوى الجمهورية والتقدمية بليبيرالييها ويسارييها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الأحزاب الرجعية والأحزاب صحابة المشاريع الدكتاتورية والحركات الإسلامية بمختلف تعبيراتها.


وقد شاهدنا كل هذه القوى في "ساحة التحرير"، في سياق "تدافع اجتماعي" خططت له القوى الرجعية على النطاق العالمي لإظهار الطابع المتخلف للسياسة في المنطقة العربية، بما في ذلك في مراكزها الحساسة، والدور المحرر الذي تلعبه الاستخبارات وقوى الهيمنة في العالم. كما وقفنا على محدودية الوعي السياسي الذي عليه القوى الديمقراطية واليسارية على وجه التحديد في الانتخابات لما امتنعت على عقد اتفاق مع القوى الليبيرالية للوقوف صفا واحدا ضد حركة "الإخوان المسلمين"، التي تمكنت بذلك من الوصول إلى السلطة. ومنذ تلك اللحظة لم تتوان عن السعي الدؤوب لفرض احتكارها المطلق للسلطة من خلال وضع يدها على أجهزة الدولة والإدارة. وأتت ردة فعل الحركة الديمقراطية إيجابية، حيث أنها أعلنت وحدتها بزعامة البرادعي وثانيا أنها أعلنت عزمها على إسقاط مشروع احتكار السلطة وطالبت بصياغة جديدة للدستور ولوحت بانتخاب مجلس تأسيسي يتكفل بإنجاز هذه المهمة.


ويمكن القول أن أهم حدث يتمثل في وحدة الحركة الديمقراطية التي جمعت كل قوى المعارضة لسلطة "الإخوان"، بما في ذلك من تبقى من الحزب الحاكم القديم من غير المورطين في جرائم وفي الفساد، ووجهتها إلى النضال من أجل إنجاز مشروع الانتقال الديمقراطي بصورة فعلية.


وهي الخطوة التي علينا الاسترشاد بها في كيفية تناول الوضع السياسي في بلادنا.


كيف تقيمون الوضع في ليبيا وما حدث فيها، وهل فعلا أن "الربيع العربي" قد فشل في تصعيد الإسلاميين للسلطة؟


إن ما حدث في ليبيا كان فضا ومرعبا سواء من النظام السابق وهو يصارع من أجل البقاء أو من قبل القوى التي تعتبر نفسها ثورية وإسلامية وجهادية التي استنجدت بالقوى الاستعمارية ورضيت بأن تدك قوات الجو الفرنسية التابعة للحلف الأطلسي بلادها شبرا شبرا، من أجل الوصول إلى السلطة. ولم يكن فعلها أقل سوء مما قامت به المعارضة العراقية التي وصلت إلى السلطة على ظهر الدبابات الأمريكية، بعد أن استباحت ثروات العراق وحضارته وتصفية إنجازاته وتقتيل شعبه. لقد كان الثمن باهضا وكانت خيبة الأمل كبيرة، إذ عوضا عن أن يشهد لحظة هدوء وعودة إلى البناء من جديد فقد دخل في مرحلة دمار شامل، باستثناء مراكز الطاقة والمنطقة الخضراء، وعوض أن يشهد الشعب العراقي شيئا من الراحة وجد نفسه يعيش أبشع المآسي وأشدها وطأة. ويشهد الشعب الليبي الآن سيناريو مشابها لما عاشه الشعب العراقي، وأن الذين وصلوا إلى السلطة، على اختلاف أطروحاتهم، هم أقرب إلى الأطروحات الإسلامية منهم إلى شيء آخر، ويكفي أن نلقي نظرة عن مشروع الدستور المقترح والقوانين المقترحة والاسم المقترح للبلد ومشروع إصلاح التعليم. وزيادة على ذلك فإن الكارثة أكبر لسببين: الأول، تحالف ابن القذافي بجيشه المدجج بالسلاح وذهبه مع "جمهورية شمال مالي" أرض "القاعدة الموعودة"، دخول جحافل من القاعدة الفارة من أفغانستان ومن العراق ومن الجزائر إلى ليبيا لما فقدت السلطة المركزية قدرتها على حماية الأمن وسبقتها السلط التونسية في مرحلة الانفلات الأمني. وبذلك يمكن القول أن ليبيا أصبحت قاعدة متقدمة لمقاتلي "القاعدة" ومنطقة عبور للبلدان المجاورة.


وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نعتبر أن ما يحدث في ليبيا فيه شيء من الإيجابية كما الشأن لما يقع في تونس ومصر، لأن العوامل الخارجية محددة حتى في التفصيل، باعتبار أن الصراع من أجل الهيمنة على ثرواتها النفطية وعلى الأورانيوم الذي لم يبدأ استغلاله بعد مازال في أطواره الأولى وباعتبار أن الحرب على "القاعدة" سوف تفتح عن قريب، لذلك فقد تصبح ليبيا أرض حرب طاحنة قد لا يطفأ سعيرها إلا بعد سنوات من الآلام والدمار.


وعن الوضع في سوريا، ألا يمكن أن تقبل الأطراف المتقابلة مخرجا آخر غير الحرب والدمار؟


إن سوريا تمثل إحدى "الدول المارقة" (les etats voyous) التي تمثل "محور الشر"، حسب نظرية بوش الإبن، وكان من المقرر أن يبدأ الهجوم عليها لو كتب النجاح لأحد صقور الحرب في الإنتخابات الأمريكية. لكن وبما أن موقع سوريا أصبح مقلقا للغاية بالنسبة للإدارة الأمريكية باعتبارها تمثل مرتكزا للإستراتيجيا الروسية في الشرق الأوسط وركيزة أساسية للمحور الشيعي المار من بيروت ليحط في طهران الحالمة باستعادة أحلامها الفارسية في المنطقة، لذلك فهي تقف في وجه المد السلفي السني الإخواني والوهابي، لذلك فهي تعارض عودة تركيا إلى المنطقة العربية وكأنها تريد استعادة موقع الإمبراطورية العثمانية. ويبقى العنصر الحاسم في وضعها هو مدى استعدادها للتفاهم مع إسرائيل، وهي لعمري القطرة التي لا يمكن أن تضاف لها أي قطرة أخرى. وتخفيفا للصراعات الدولية وتفادي الانفجارات الخطيرة، فضلت أمريكا إشعال نار "الثورة المسلحة" التي وجدت من يمولها بالرجال، من تونس ومصر وغيرهما، والعتاد والمال، من البلدان الخليجية السنية، دون أن تتورط في حرب ثانية تشبه الحرب العراقية، والتي قد تكون أكثر دموية. لكن خيار الحرب على سوريا لم يتمَ إلغائه من روزنامة التحرك العسكري الأمريكي ولا من جدول أعمال الحلف الأطلسي دون أن ننسى الإتحاد الأوروبي وفرنسا بصورة خاصة.


لذلك فإن الحديث عن مخرج يصوغه "فرقاء" لا يتحكمون في أوراق اللعبة يصبح من قبيل أضغاث الأحلام. ولا نظن أن الأوضاع في سوريا سوف تتوقف عند هذا الحد، بل هي تتجه نحو مزيد من التعقيد ومزيد من المآسي. وللأسف فإن الشعب السوري هو من يدفع ثمن هذه التغييرات الإستراتيجية على المستوى الدولي والجيوسياسية كما دفعها من قبله الشعب العراقي ويدفعها الشعب الفلسطيني لما يقارب عن القرن من الزمن ودفعها الشعب السوداني بتقسيم وطنه والشعب اليمني بالحرب بين النظام وتنظيم القاعدة التي أرهقته والحرب على ليبيا من أجل إسقاط نظام العقيد القذافي. والقائمة تطول لو واصلنا رصد المآسي التي سلطت على الشعوب العربية من مشرقها إلى مغربها. ولا نعتقد أن قادة سياسيين ليسوا أسياد آرائهم بإمكانهم أن يحكموا صوت العقل وأن يراعوا مصالح أوطانهم وشعوبهم. لذلك يكون من العسير التفكير في مخرج توافقي من الوضع السوري وقد ينتهي إلى تقسيم سوريا إلى ثلاثة أجزاء، علوي وسني وكردي، أو متعدد الأقليات القومية.


هل أن مفهوم الشرق الأوسط الجديد يستخدم نظام الجمهورية أم يحبذ النظام الفدرالي الذي يقوم على تقسيم أو توزيع السلطات والمهام بين الحكومة الوطنية "الفدرالية" وبين التقسيمات الفرعية الموجودة كالولاية أو المقاطعة أو المحافظة، وبعبارة أخرى فإن الحكومة الفدرالية تظل سلطة القرار النهائي، لكن هنالك سلطة وسيادة محدودة ممنوحة للحكومة المحلية حيث لا تمتلك الحكومة الفدرالية الاختصاص بالتدخل بها. وهذا يختلف تماما عن الجمهورية الوحدوية حيث تتمتع الحكومة المركزية بالسيادة الكاملة على جميع جوانب الحياة السياسية، وهل يعني ذلك انحدار فكرة الجمهورية؟


النظام الفدرالي يستعمله منظرو الديمقراطية البورجوازية، باعتبارها شكل الدولة البورجوازية الذي تأخذه في ظل ميزان قوى طبقي محدد، في ظروف خاصة لبلد من البلدان يشهد تعدد إيتني أو قومي أو ثقافي لتيسير التأليف مركزيا. ولا نعتقد أن الحل الفدرالي أقل ديمقراطية أو أكثر من الحل الجمهوري، بل إن الحكمة تتمثل في إيجاد الحل المناسب للوضع المحدد بعينه وليس لغيره. فكلاهما كان حلا صائبا لوضع قومي محدد، من الصعب أن ننقله لمعالجة وضع قومي وثقافي آخر. وقد ينحدر النظام الفدرالي إلى التشتت العرقي والثقافي وينهي كيان الدولة كما حدث بالنسبة لعدد من دول أوروبا الشرقية وقد يتحول النظام الجمهوري إلى نظام دكتاتوري أو استبدادي وحتى فاشستي، حسب ميزان القوى القائم اجتماعيا بين القوى الديمقراطية والقوى المعادية للديمقراطية. وهو الحال الذي سارت عليه ألمانا في عهد النازية وإيطالية في عهد الفاشية وقد تتجه بلدان "الربيع العربي" إلى استبداد باسم الدين. وقد تنحدر الجمهورية نحو الكنفيديرالية. كلها مخارج للواحدة عن الأخرى لما تكون أكثر رجعية من غيرها، ولا نعتقد أن العكس يمكن أن يحصل في ظل غياب قوة دافعة هرقلية، أي قادرة على زحزحة الأوضاع إيجابيا.


وينبغي أن نشير أن قيام الجمهوريات في شكلها الفدرالي تدفع إليه المصالح الإمبراطورية للدول العظمى، وهي انقسامات تقام حول منابع النفط أو مناجم الأورانيوم وغيرها من المصالح الإستراتيجية.


لكن هل من منطق لكل هذا الدمار والخسائر، في الوقت الذي كانت فيه الأمور مخطط لها بصورة مسبقة؟


لا يدرك عموم الناس أن الرأسمالية لا تتقدم إلا على أساس الاهتداء إلى وسائل إنتاج جديد والتخلص من القديمة جزئيا وسلميا أو كليا وبصورة عنيفة، والشأن نفسه بالنسبة لمخزون البضاعة التي أنتجتها وظلت ثقلا عليها تصرفها في السوق بصورة تدريجية. وغالبا ما تستغل الحروب لا فقط لتصريف خردتها الحربية، بل لتجديد وسائل الإنتاج وإعادة الإعمار وإدخال مواد استهلاك جديدة....إلخ. إنه الأسلوب الذي يفتح أمام الحكومات البورجوازية إمكانيات معالجة الأزمات التي تمر بها من حين إلى آخر، وذلك بتمكين رأسمالييها من الاستثمار بشكل موسع والمسك بدواليب الأسواق وهي في طور إعادة عافيتها وبناءها. فالحروب والحروب الأهلية و"الثورات" من نمط "الربيع العربي" هي إحدى السبل التي تستعملها البورجوازية للخروج من أزماتها الاقتصادية، ولا ينبغي أن ننظر إليها في سياق الظواهر التي يمكن أن تعبر عنها.


إذا تتبعنا الخط الزمني للثورة الفرنسية نجد أن:
الجمهورية الفرنسية الأولى (1792 ـ 1804 )،
الجمهورية الفرنسية الثانية ( 1848 ـ 1852)،
الجمهورية الفرنسية الثالثة (1870 ـ 1940)،
الجمهورية الفرنسية الرابعة (1946 ـ 1958)،
هل نقول أن 2011 بداية الجمهورية الثانية عندنا؟


إن المرور من جمهورية إلى أخرى يعني إحداث تغيير جوهرية جزئية أو عامة في القوانين الدستورية المؤطرة للدولة والمجتمع. ونبدأ بالإشارة في هذا الصدد إلى أن الجمهورية ببعدها الديمقراطي قد تحققت مع الثورة الفرنسية لذلك فإن الجمهوريات التي تلتها كانت كل واحدة منها تمثل صيغة من صيغ الجمهورية المكرسة للمبادئ الديمقراطية بحسب ميزان القوى السياسي والاجتماعي. وبالمقابل فإن الدولة التونسية لم تأخذ شكل الجمهورية الناجز، شكلها السياسي التام، لذلك أخذت شكلا دكتاتوريا، وظلت كذلك حتى مع "تحول السابع من نوفمبر"، الذي كان بمثابة الجمهورية الدكتاتورية الثانية، وكان من الممكن أن تحقق الانتفاضة انتقالا ديمقراطيا للجمهورية. لكن ذلك لم يحدث لأن حركة النهضة تمكنت من الإحراز على الأغلبية النسبية في المجلس التأسيسي وكونت حكومة التحالف الثلاثي وانحرفت بمسار الانتقال الديمقراطي في اتجاه وضع أسس نظام استبدادي باسم الدين ونحن الآن بصدد النضال ضد هذا الانحراف في محاولة لتقويمه والعودة به لمساره الصحيح. وعلى هذا الأساس يمكننا القول أن جمهوريتنا الثانية بإمكانها أن تكون في قطيعة مع الجمهوريتين السابقتين إذا ما قامت على الديمقراطية وبإمكانها أن تكون جمهورية ثالثة إذا كانت في تواصل، من زاوية الاستبداد والدكتاتورية إذا ما كانت في تواصل مع الجمهورية الأولى والثانية.


ماذا تعني لكم هذه المفاهيم:
ـ ارحل
ـ الشعب يريد
ـ الانتقال الديمقراطي


ارحل،"dégage"، هو شعار ظهر لدى بعض مكونات 18 أكتوبر وأخص بالذكر الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي و"حزب العمال"، ثمَ ظهر على صفحات فايسبوك وعلى ما يبدو من جهة بعض الجمعيات الأمريكية المخصصة للتدخل في تونس، ليأخذ مكانه على الصفحات التونسية ليلة 13 ـ 14 جانفي 2011 وليصبح يوم 14 جانفي الشعار الذي هزَ شارع بورقيبة منذ منتصف النهار. وهو شعار يعبر على أن "روح الشعب التونسي طلعت وما عادش يقبل حكامه أو أن يساس كما في السابق".


ـ "الشعب يريد"، هو الشعار الذي اغتصبت به الأقلية النشيطة إرادة الشعب التونسي وأصبح تتكلم باسمه وترفع الشعارات باسمه دون أن تتوجه له بسؤال وحيد وأوحد "ماذا تريد أيها الشعب؟". إنه شعار يؤكد على أن المعارضة الديمقراطية واليسارية لم يكن لها برنامج أو بديل وجارت عفوية الجماهير.


ـ "الانتقال الديمقراطي"، كلمة حق أريد بها باطل، يتكلم عنه الجميع دون أن يجري الاتفاق حول المسار الذي كان قد يأخذه ودون أن نتفاهم على الانطلاق من النقطة "أ" للوصول إلى النقطة "ي" مرورا بـ"ب"......إلخ. لذلك كان مفهوم الانتقال الديمقراطي يشبه في متخيلنا الثقافي "قميص عثمان".


تونس في 14 ديسمبر 2012
محمد الكيلاني