تقديم

لمحة عن تأسيس الحزب الاشتراكي

تأسس الحزب الاشتراكي في 1 أكتوبر 2006 بعد أن وضع الأسس، النظرية والسياسية، لبرنامجه وضبط أهدافه العامة والمرحلية التي يتقدم بها للطبقة العاملة ولعموم الشعب التونسي والرأي العام، وهي عبارة عن تأليف للأطروحات والمواقف والآراء التي عرف بها مناضلوه في الحركة الديمقراطية.

إن تأسيس الحزب الاشتراكي ليس إضافة رقم جديد في الساحة السياسية ولا هو إمعان في مزيد شرذمة اليسار، بل هو تلبية لرغبة جمع من المواطنين والمواطنات في الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والشعب والوطن أمام المخاطر التي تتهددها الداخلية والخارجية وعن آرائهم الخاصة التي ميّزتهم في الساحة السياسية عن غيرهم، في المبادئ والنظرية والأهداف والبرنامج وأساليب النضال والتمشي السياسي، دون أن يجعلوا منها حواجز بينهم وبين سائر القوى اليسارية والديمقراطية.

فالحزب الاشتراكي وهو يرفع راية الاشتراكية من جديد، كان قد وقف على أخطاء تجربتها الماضية، في الإتحاد السوفياتي وفي بلدان الكتلة الشرقية- سابقا-، وله مقترحات بديلة سوف يعرضها على الرأي العام للبحث والنّقاش. كما أنه، وهو يتبنى الاشتراكية العلمية، يضفي عليها روح العصر، لأنه أدرك أهمية الإثراء الذي أدخلته الثورات العلمية والتقنية والإتصالية على الفكر الإنساني عامة وعلى الفكر الاشتراكي بالتحديد، وأدرك أيضا أهمية التغييرات التي أحدثتها في الواقع، ومسك بالتّحولات التي أدخلتها الرأسمالية، في مرحلة العولمة، على الأوضاع الدولية والإقليمية والمحلية وعلى الطبقات الإجتماعية وعلاقاتها ببعضها البعض، وتمثّل ما يتطلبه ذلك من حاجة إلى تطوير المفاهيم والمقولات والنظرية كي يتمكن من إيجاد المخارج والحلول للتناقضات القائمة في المجتمع لتحريره من استغلال واضطهاد الإنسان للإنسان.

إن قانون التطور اللامتكافئ يجعل هذه التناقضات بفعلها المتكامل تضعف حلقة أو مجموعة حلقات في سلسلة النظام الرأسمالي تؤهلها للإنفصال، نحو عالم اشتراكي جديد.

منذ 2006 كتب مناضلو الحزب الاشتراكي عن عمق التحولات العالمية والتي ستضع المنطقة العربية في قلب الأحداث كما هو الحال في 2011 .

ويعتقد أن تحقيق الديمقراطية في بلادنا مهمة ملقاة على عاتق القوى الديمقراطية دون غيرها. لذلك فهو يعمل على توحيد الحركة الديمقراطية التقدمية كي تتمكن من التقدم أمام الشعب باعتبارها معارضة جدّية للسلطة ومناهضة للمشروع الإستبدادي المتستر بالدين، وصاحبة مشروع جمهوري ديمقراطي قائم على مبادئ وقيم وآليات الديمقراطية.

وتتمثل في:

* فصل الدين عن الدولة وحيادها تجاه المعتقد ورفض توظيف الدين في السياسة من قبل أي كان في السلطة أو المعارضة.

* احترام الحريات العامة والفردية وحرية المعتقد وحقوق الإنسان وضمان ممارستها وحمايتها من الإنتهاك.

* المساواة التامة بين المرأة والرجل وعدم التمييز بين مختلف أفراد المجتمع على أساس الجنس أو العقيدة.

* قيام الجمهورية الديمقراطية على المواطنة الكاملة.

* اعتبار الإقتراع العام المباشر المصدر الشرعي الوحيد للحكم.

*احترام المجتمع المدني باعتباره فضاء للمواطنة والحرية والتعاقد ومجالا من مجالات السلطة المضادة.

* حياد الإدارة تجاه المواطنين بقطع النظر عن معتقدهم وانتمائهم السياسي.

* التداول على الحكم والفصل بين السلطات واستقلالية القضاء على السلطة التنفيذية ومراقبة السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية.

ويعتقد الحزب الاشتراكي أيضا أن الجمهورية الديمقراطية المنشودة بإمكانها أن تأخذ طابعا شعبيا إذا ما تحمّل اليسار الموحد مسؤولياته التاريخية في تفعيل قطاعات الشعب المنظمة، في الأطر النقابية والجمعياتية التي له فيها تأثير، وفي مساعدته على اقتحام الفضاءات العامة وإشراكه بصورة فعّالة في النضال من أجل تحقيقه، خاصة وأن مكتسبات عديدة تحققت في بلادنا دون غيرها من البلدان العربية تتمثل في أن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أدخل تغييرات عميقة على الدولة. فقد مرّ بها من النمط الإقطاعي- الإستعماري إلى الجمهورية حيث ضيّق في مجالات تدخل الدين في الشأن العام بإلغاء المحاكم الشرعية وإرساء القضاء المدني الذي يعتمد في التقاضي على منظومة من القوانين الوضعية التي صادق عليها ممثلو الشعب في البرلمان، وإلغاء نظام الحبس، وجعل الزواج والطلاق شأنا مدنيا محكوما بالقانون، وإقرار الإقتراع العام كأساس لنظام الحكم يمكن الشعب من اختيار من يمثله ومن يحكمه… وغيرها من الإجراءات التي كان بإمكانها أن تحرر الدولة التونسية نهائيا من تدخل الدين في شؤونها أو من توظيفها للدين، لتصبح دولة سياسية بأتم معنى الكلمة، أي جمهورية ديمقراطية.

لكن إعادة صياغة علاقة الدين بالدولة التي أصبحت توظفه، حيث استغله الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة لأغراض تعبوية ومجاراة العقائد العامة واستمالة الشق المعتدل من رجال الدين ومجانبة الضغوطات التي كانت تمارسها السعودية ومصر على بلادنا، زيادة على التصور الكلياني للدولة- النمط الكمالي- الذي كان يستهوي رئيس الدولة آنذاك وتعمقت الأزمة أكثر مع الرئيس بنعلي الذي أخذت في عهده طابعا أكثر دكتاتورية، كل هذا مثل عائقا أمام عملية الإنتقال التاريخية إلى الديمقراطية، وجعل الجمهورية تأخذ الشكل الدكتاتوري بدل الشكل الديمقراطي.

لذلك لا يمكن للجمهورية أن تأخذ الشكل الديمقراطي إلا إذا جعلت من العلمانية واللائكية أساسا من الأسس التي تقوم عليها.

فالعلمانية باعتبارها رؤية للعالم والظواهر والأشياء والمجتمع والدولة، تحتكم إلى العقل، فهي ليست سياسة أو أداة تنفيذ سياسة سلطة أو دولة ما، كي تقرن بالقمع والدكتاتورية والإستبداد والإستعمار والإمبريالية. والشأن نفسه بالنسبة للائكية، التي تعني فصل الدين عن الدولة وفصل الشأن العام عن الشأن الخاص.

إن الدولة العلمانية، التي تحقق فيها فصل الدين عن الدولة، تشيع حرية المعتقد لأنها تعتبره شأنا خاصا، تحترمه وتصونه، وهي محايدة تجاه جميع العقائد وتحجر استغلالها كما تحجر توظيف المساجد والجوامع ودور العبادة في السياسة. أما الدولة الدينية فهي تعطي الحرية لعقيدتها وتمنعها عن بقية العقائد، بحكم منطق العقيدة نفسه، القائم على التكفير والإنفراد بالحقيقة المطلقة، الحقيقة الربانية، ويكفي أن نشير إلى الدول الإسلامية التي ساست البلدان العربية والإسلامية لمدة 14 قرن.


لمحة عن تأسيس الحزب الاشتراكي