إصدارات الحزب

الجبهة الديمقراطية الموحدة والإستحقاقات القادمة

الجبهة الديمقراطية الموحدة والإستحقاقات القادمة
مؤتمر الإنتصار للجمهورية

تونس في 25 26 أوت 2012

تقديم:

لم يعد خافيا على أحد أن حكومة التحالف الثلاثي شرعت في الإنحراف بمسار الإنتقال، منذ تشكلها على إثر انتخابات المجلس التأسيسي. وقطعت في هذا الشأن شوطا حاسما سوف يكون له أثر كبير على الحياة السياسية. وقد يبلغ هذا الإنحراف منتهاه لمَا يعطي للدولة شكلها الإستبدادي الناجز باسم الدين، إذا ما حققت حركة النهضة نصرا جديدا في الإستحقاقات القادمة. لكن هذا المآل ليس حتميا، لأن الشعب المنتفض مازال رافعا راية الحرية والكرامة والعدل الإجتماعي والجهوي ومازال رافضا بأن يساس كما في السابق ومازال متمسكا بالمكاسب السياسية والإجتماعية والثقافية والحضارية التي حققها في ظل الجمهورية، ولأن قوى سياسية ومكونات من المجتمع المدني، جمهورية وديمقراطية وحداثية، مدافعة عن الجمهورية، قيما ومبادئ ومؤسسات ونظام حكم، تناهض الإستبداد بكل أشكاله وجنَدت قوَاها لإفشال كل محاولات الزيغ بالإنتقال الديمقراطي عن مساره الطبيعي، تستعد من الآن للإستحقاقات القادمة لإنقاذ الجمهورية من كابوس الإستبداد. غير أن عملية الإنقاذ هذه لا يمكنها أن تتحقق إلا إذا توحَدت جلَ القوى المعنية بالجمهورية في جبهة ديمقراطية اجتماعية متحدة قادرة على إحداث استقطاب قويَ بين الناخبين يمكَنها من الفوز في الموعد الإنتخابي.

بماذا يتميز الوضع السياسي الراهن في بلادنا؟

يتميز الوضع السياسي الراهن بوجود تناقض رئيسي يقابل بين مسارين:
انطلق الأول منذ 14 جانفي 2011 لمَا غادر بن علي السلطة، غلب عليه التوجه نحو انتقال الجمهورية إلى الديمقراطية، تجلى في فك العصمة بين الحزب الحاكم وأجهزة الدولة والإدارة، وتقنن في المرسوم الذي أصدرته حكومة الغنوشي الأولى وفي العفو العام الذي أقرته، وفي إطلاق الحريات وفي مقدمتها حرية الإحتجاج والإعتصام وحرية الصحافة والإعلام والرأي والإجتماع والتظاهر وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات. وكرَست "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي"، هذا الميل للإنتقال إلى الديمقراطية، بالمكونات التي مثلتها وبالأهداف التي رسمتها والخطوات التي قطعتها.
وانطلق الثاني منذ 15 جانفي 2011، لمَا خرجت حركة النهضة والحركة الإسلامية إلى الناس، وقامتا بغزو الساحات الشعبية بصورة منهجية وشرعتا في تغيير ميزاج الشارع عن طريق حلقات النقاش. مما سمح لهما ببعث تيار جماهيري تحت قيادتهما تضغطان به على الهيئة العليا وعلى الرأي العام الديمقراطي والشعبي لإجبارهما على الخضوع لإرادتهما. فتمكنتا بذلك من زحزحة موازين القوى تدريجيا لفائدتهما وفرضتا وضعا جديدا مطبوعا بروح عقيدية لا شك فيها، عبَر عن نفسه بصورة صريحة في انتخابات 23 أكتوبر2011، التي كرست انتصار حركة النهضة في الإنتخابات التأسيسية.
وأتى انتصار حركة النهضة في الإنتخابات التأسيسية ليمكنها من شرعية كانت تفتقد إليها للمرور مباشرة إلى وضع أسس نظام استبدادي باسم الدين. ولم تتستر عن مشروعها، فأعدت القانون المؤقت لتنظيم السلط لتنفيذ تصورها للدولة والمجتمع. لذلك استماتت في الدفاع عن "الخيار المجلسي" الذي، بصياغته النهضوية، يسمح لها بالعودة إلى المزج بين الحزب الحاكم وأجهزة الدولة والإدارة وباحتكار كافة السلط تقريبا وبإعادة بسط هيمنتها على الإدارة وبإيقاف انتقال المنظومة الأمنية إلى منظومة أمن جمهوري والعودة بها إلى منظومة أمن دكتاتورية قمعية، تجلت بصورة خاصة في استهداف الإحتجاج الشعبي عن طريق القمع وانتهاك الحرمات وحقوق الإنسان والتعدي على حرية الرأي والإبداع، زيادة على اعتمادها على المليشيات النهضوية والسلفية، وبالسعي إلى التضييق على الإعلام والإعلاميين والمؤسسات الإعلامية، العمومية والخاصة، من أجل إخضاعهم وتطويعهم لصالحها. زيادة على الهجوم الصارخ الذي استهدفت به حرية المعتقد بالتكفير وباسم عدم المساس بالمقدسات. أما الخطوة الأخطر التي قطعتها حركة النهضة في محاولتها تنفيذ مشروعها فتتمثل في مسودة الدستور التي أتت لتكرس التراجع عن مكاسب الجمهورية ولتأسس لنظام استبدادي باسم الدين. وبذلك يمكن القول أن المرحلة التأسيسية لنظام استبدادي باسم الدين قد دخلت طورها الأخير. وقد تنتهي في الإنتخابات القادمة، في حالة فوزها.
وهكذا يمكن القول أن التناقض الرئيسي الذي يحكم الوضع السياسي في بلادنا والذي يقابل بين المشروع الجمهوري الديمقراطي من ناحية والمشروع الإستبدادي باسم الدين من ناحية أخرى، لا يمكن حله إلا بانتصار طرف على آخر، فإما الإنتقال للديمقراطية أو التأسيس لنظام استبدادي باسم الدين. وبما أننا منتصرون للجمهورية فإن الإنتخابات القادمة تمثل بالنسبة لنا الفرصة الأخيرة لإنقاذها من خطر الإستبداد والعودة بمسار الإنتقال إلى الديمقراطية للطريق السوية، طريق انتفاضة الحرية والكرامة والعدل الإجتماعي والجهوي. لكن كيف يمكننا تحقيق هذه الخطوة وبأي أداة؟ إن إجابتنا واضحة هي أنه لم يعد بإمكاننا أن نتقدم خطوة واحدة في اتجاه الديمقراطية إذا لم نحقق انتصارا صريحا في الإنتخابات القادمة. ولن نتمكن من ذلك ما لم تتجمع القوى الجمهورية والديمقراطية والحداثية، أحزابا وجمعيات مدنية ومنظمات معنية بالشأن العام، في جبهة ديمقراطية اجتماعية متحدة تعمل لإنقاذ:
الجمهورية من خطر الإستبداد باسم الدين،
الإقتصاد الوطني من الإنهيار،
الشعب التونسي من مخاطر سوء أحواله وإيقاف تدهور أوضاعه المادية والمعنوية،
استقلالية القرار الوطني من مخاطر التبعية لدوائر ودول أجنبية، إقليمية وعالمية.
إن الجبهة الديمقراطية المتحدة هي بالضرورة ضد المشروع الإستبدادي باسم الدين، وهي بالضرورة مفتوحة على كل القوى من اليسار إلى وسط اليمين، من الإشتراكيين إلى الليبيراليين. وستكون هذه القوى على اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية متحدة في الإستحقاقات القادمة لإنقاذ الجمهورية وتعديل مسار انتقالها إلى الديمقراطية.

لكن كيف تبدو التحالفات السياسية وما هي اتجاهات تطورها؟

1- حركة النهضة وحلفاؤها

نبدأ بحركة النهضة التي سوف تتقدم بمفردها أو في إطار تحالف، للفوز في الإنتخابات. وأمام الأخطاء السياسية التي ارتكبتها في ممارسة الحكم وعدم إيفائها بالتزاماتها وتعدد احتجاجات بعض الفئات الشعبية الموجهة ضد الحكومة وضدها وأمام تفاقم الخلافات التي ظهرت مع حزب المؤتمر في التحالف الثلاثي ومع رئيس الدولة المؤقت وأمام توسع حركة النقد الموجهة لها، ذهب إلى ظن العديد من القوى السياسية والعديد من المحللين أنها تمرَ بوضع صعب قد يؤثر على وضعها الإنتخابي في الإستحقاقات القادمة وهنالك من يذهب به الإعتقاد بأنها سوف تفقد موقعها في الإنتخابات أمام "نداء تونس" بمفرده حتى وإن بقيت الحركة الديمقراطية على حالة التشتت التي هي عليها الآن. إن مثل هذا الإعتقاد غير صائب لأن حركة النهضة عززت مواقعها بشكل غير مسبوق في أجهزة الدولة، بحيث وضعت يدها على أهم المواقع واستفادت من تقليد تبعية الإدارة للحزب الحاكم وللسلطة التنفيذية لتجعل من هيمنتها على الدولة واقعا لا شك في وجوده. وزيادة على ذلك فقد استغلت موقعها في السلطة كي تستفيد من المساعدات، التي تسندها الدولة أو تلك التي تتلقاها من الشبكات الدولية، لتحوَلها، عن طريق الشبكة الجمعياتية التابعة لها، إلى هبات وعطاء وكأنه منة آتية منها. ممَا يعني أن مكانتها بين المواطنين الذين سوف يتوجهون غدا إلى صندوق الإقتراع بإمكانها أن تبقى على ما هي عليه.
لقد أثقل "حزب المؤتمر" كاهل حركة النهضة في التحالف الثلاثي، لكنها تمكنت من إعادة تركيبه بشكل كونت منه ثلاثة مجموعات من الصعوبة بمكان أن تتجمع من جديد "ضدها" باعتبارها تتجه نحو التحالف في ما بين بعضها البعض. في حين حافظ "التكتل" إلى حد ما على شيء من مظهره كحزب حليف للحزب الأب وعلى استعداد تام لمواصلة دوره في الإنتخابات، وتنظر حركة النهضة لأدائه بعين الرضا. وتوجد أيضا مجموعة من الأحزاب السياسية تترقب مجرد إشارة لتقديم خدماتها. ونذكَر، قبل الإستخلاص، بالدعم الذي تتلقاه من قبل الحركة الإسلامية وبصورة خاصة من قبل الحركة السلفية بما فيها السلفية الجهادية.
وعلى هذا الأساس يمكن القول دون الوقوع في خطا أن حركة النهضة أصبحت أقوى من ذي قبل كحزب سياسي ماسك بالسلطة مما قد يوفرلها حظوظا انتخابية أكبر. ومن الطبيعي أنه من غير الممكن إيقاف هذه القوَة الجارفة عن تقدمها إلا بقوَة مضادة تفوقها عدة وعددا، تمثلها جبهة متحدة ديمقراطية اجتماعية مفتوحة على كل القوى يسارية كانت أم ليبيرالية، اشتركية كانت أم رأسمالية، المهم أن تكون متفقة حول إنقاذ الجمهورية والدفاع عن مكاسبها الحضارية والإجتماعية والثقافية وغيرها. وعلى هذا الأساس ينبغي أن نعي بأن الموعد الإنتخابي القادم يمثل المعركة الحاسمة في عملية تقويم الإنحراف الذي أحدثته حركة النهضة والتحالف الثلاثي على مسار انتقال الجمهورية من الدكتاتورية إلى الديمقراطية.

2- ما هي اتجاهات التحالف بين القوى الجمهورية والديمقراطية والحداثية؟

إن أغلب قوى المعارضة الديمقراطية والجمهورية والحداثية، يسارا ووسطا، مازالت شتاتا، لأنها لم تقف إلى اليوم على السبب الحقيقي لتشتتها. نحن مقتنعون أن هنالك خلافات عديدة وكبيرة تحدث هذه الفرقة، تماما كتلك التي توجد داخل حركة النهضة أو داخل الحركة الإسلامية عموما. لكن لماذا تتوحد هي ونتفرق نحن؟ ويكمن الجواب في أن حركة النهضة والحركة الإسلامية عموما موحدة حول المشروع المجتمعي وحول مشروع الدولة، لذلك ورغم الإختلافات التي تشقها في المفاهيم والبرامج أحيانا وفي أساليب تحقيقها وفي المناهج المتبعة فإنها أصبحت تقبل اليوم بالقاسم المشترك أكثر من ذي قبل لأنها أصبحت مدركة لمسؤوليتها في علاقة بالدولة وبالمجتمع.
بينما الصف الجمهوري الديمقراطي اليساري لم يدرك بعد أنه اليوم أمام قضية مركزية شائكة تتمثل في أن النمط المجتمعي الذي يحضننا أصبح في خطر وأن مكاسبنا أصبحت أيضا في خطر وأن الجمهورية في خطر وأن الإنتقال الديمقراطي في خطر. ولم يدرك أيضا أن المهمة المركزية المطروحة أمامه اليوم هي إنقاذ الجمهورية والمجتمع من خطر الإستبداد باسم الدين، وهي مهمة كافية لوحدها بأن تفرض عليه التوحد، بأن يتألف في جبهة ديمقراطية اجتماعية متحدة قادرة على أن تكون محملا لقوة عارمة مضادة للإستبداد. وهو مبرر كاف لقيام هذا الوحدة رغم الإختلافات والبرامج والمشارب الإيديولوجية المختلفة.
لكن الذي يجري واقعيا يختلف عن منطق الضرورة الذي يتطلب سير جلَ القوى المعنية بإنقاذ الجمهورية نحو التوحد.

3- الجبهة الشعبية والجبهة المتحدة

تعتبر "الجبهة الشعبية" أن "نداء تونس" حزب ليبيرالي مثله مثل حركة النهضة، وهما يمثلان تبعا لذلك نفس الخطر على الشعب التونسي. وإذا أضفنا أن "نداء تونس"، يعتبر في نظرها مركبة عودة "الدساترة" إلى السلطة، يصبح أكثر خطورة. لذلك تقف "الجبهة الشعبية" ضد التحالف مع "نداء تونس" وتدعو لمقاومته مقومة الأعداء. ممَا يدل على أن الوعي بخطر "فشستة الدولة" الذي تمثله عملية "أسلمة الدولة والمجتمع" ليس متوفرا لديها، وأن الوعي بكون الجمهورية والمجتمع في حاجة إلى عملية إنقاذ من هذا الخطر غير متوفر لديها أيضا، لذلك لم تدرك أن عملية "فشستة الدولة والمجتمع" ممثلة في الإنحراف بمسار الإنتقال الديمقراطي نحو الإستبداد باسم الدين وأن عملية الإنقاذ يمكنها أن تحدث انطلاقا من "تعديل مسار الإنتقال..." في الموعد الإنتخابي القادم. وعلى هذا الأساس اعتبرت أن الصراع الإجتماعي يحتل مركز الصدارة في الوضع السياسي، وكأننا في طور "طبقة ضد طبقة". لذلك دعت إلى وحدة "القوى اليسارية" ضد القوى البورجوازية "الليبيرالية"، واعتبرت أن هذا الصراع قد يفتح على ثورة "ثانية" أو "ثالثة" "يقودها اليسار" توصله إلى الحكم وقد يفتح على انتصار انتخابي في الإستحقاقات القادمة يمكَنه من حكم البلاد. إنها قراءة تؤكد أن "الجبهة الشعبية" و"اليسار الراديكالي" فيها ليسا على استعداد للتحالف مع "نداء تونس" من أجل إنقاذ الجمهورية، بل بالعكس سوف يفتك منه عددا من أصوات الناخبين، باعتباره يتحرك في نفس الفضاء السياسي الديمقراطي العام. وهذا من شأنه أن يضعف القوَة الإنتخابية القادرة على منازلة الحركة الإسلامية بصورة فعلية في الإستحقاقات القادمة.

4- القوى العاملة من أجل إنقاذ الجمهورية

أما من جهة القوى الطامحة لإنقاذ الجمهورية وتعديل مسار الإنتقال الديمقراطي فإن الوضع مازال يكتنفه الغموض، إذ أن حزب "نداء تونس"، هو الآن بصدد بناء هياكله، وبالتالي فهو منشغل عن المساهمة مباشرة في بناء الجبهة الديمقراطية الإجتماعية الموحدة وطنيا وجهويا ومحليا. على كل القوى الجمهورية والديمقراطية والحداثية أن تعي أن المهمة الرئيسية التي تسمو على جميع المهام هي مهمة بناء الجبهة المتحدة لإنقاذ الجمهورية. إنها المهمة الملحة التي يتطلبها الوضع الراهن لفتح أفق أمام الناس وحمايتهم من الخوف والإنكماش والضياع.
لا بد من القول أن الزحام على المواقع من قبل العديد من التيارات السياسية، نظرا للثقل الإنتخابي الذي يمثله الموعد المقبل، بصدد تعطيل تشكل هذا الحزب تنظيميا بالسرعة الكافية كي يحتل موقعه في الساحة مثله مثل سائر الأحزاب. كما أن عمليات "النزوح" التي تحدث في اتجاهه من أحزاب أخرى، تثير تحفظ "الأحزاب المتضررة" وتحدث شيئا من التعطل في التوجه نحو البناء الجبهوي بشيء من الأريحية.

5- التعبيرات "المعتدلة" من اليسار الإجتماعي

ومن هذه التعبيرات حزب العمل الوطني الديمقراطي والحزب الإشتراكي اليساري وشبكات من المجتمع المدني المعنية بالشأن السياسي، تنتمي في عمومها إلى ما يسمى باليسار الإجتماعي، من بينها جمعية شبكة دستورنا وجمعية كلنا تونس، وهي مجموعات مؤهلة للإلتقاء حول أهم القضايا التي تشغل بال الشعب التونسي وتمثل في عمومها المصلحة العليا للوطن. وزيادة على ذلك فإن مجموع هذه القوى تدرك أنها بفردها لا يمكنها منازلة حركة النهضة في المعركة الإنتخابية. وهي تبحث عن خيوط للتفاهم مع الأحزاب الديمقراطية الليبيرالية والديمقراطية الإجتماعية.

6- وأخيرا،

لا بد من الإشارة إلى أن حركة النهضة كانت قد تمكنت من كسب انتخابات المجلس التأسيسي لأن القوى الإجتماعية، الإتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين والحركة النسائية، ظلت خارجة عن التداول في مستقبل تونس والتقرير في شأنه، والأنكى أنها مالت عموما إلى موقف الحياد. وهو موقف ساعد حركة النهضة على التصرف بحرية كبيرة باعتبارها تمتلك شبكة علاقات "مسجدية" جعلتها تكتسب قوَة خارقة في الموعد الإنتخابي وبالتحديد خلال يوم الإقتراع. لذلك ينبغي العمل على أن تتحمَل القوى الإجتماعية وقوى المجتمع المدني الديمقراطية مسؤوليتها في عملية إنقاذ الجمهورية بتعديل مسار الإنتقال الديمقراطي عبر كسب الرهان الإنتخابي.

سبيلان لتعديل مسار الإنتقال إلى الديمقراطية

أمامنا طريقان لتعديل مسار الإنتقال الديمقراطي الذي انحرفت به حركة النهضة في اتجاه بناء نظام حكم استبدادي باسم الدين:
الأول، هو طريق الثورة، إذا اعتبرنا أن "القصبتين" بمثابة ثورة ثانية بعد 14 جانفي، وأن استقالة الغنوشي نتيجة لهما. وأن الثورة الآن هي بصدد النضج حسب المتنبئين بها المدعومين بالداعين إلى الطريقة الثالثة. ومن الطبيعي أن الطريق الثورية التي تعتمد على القوة الثورية للشعب تسعى إلى تقليص المسافات ولها ميل، باعتبار ما تعتمد عليه من قوة يسمح لها بتصفية خصومها دفعة واحدة. لذلك يميل دعاة الخط الثوري إلى وضع الليبيراليين من الصف الديمقراطي والصقور من صف اليمين الديني المتطرف في خندق واحد، دون التمييز بينهما، اعتقادا من أصحاب هذا الرأي أن الديمقراطية الثورية بإمكانها أن تتجاوز التدرج الذي تفرضه الجبهة الموحدة والديمقراطية البورجوازية في مواجهة الإنحراف الإستبدادي.
وبقطع النظر عن التبريرات النظرية فإن الإستعداد العام للناس مازال لم يتجاوز مطالبة الحكومة بتحسين أحواله ومازال يأمل في أن تلتزم الحكومة بوعودها ولا يتصور بديلا عنها سوى في ذات سياسي أتقن كيفية مخاطبتهم وتهدئتهم ومساعدتهم على الخروج من "الورطة" التي كانوا فيها، وهو أفق لا علاقة له بالثورة وبالثورية.

أما الطريق الثانية فإنها طريق تعديل الإنحراف عبر الإنتخابات. وهي عملية تفترض إنشاء تيار انتخابي قوي قادر على معادلة التيار الإسلامي الذي تقوده حركة النهضة، إذا لم يكن متفوقا عليه عددا وعدة، وذلك بهدف تحقيق انتصار انتخابي. ولا يمكن التفكير في بعث مثل هذا التيار إذا لم نستند على حزب انتخابي، أي حزب له شعبية يتمتع بقبول إيجابي من طرف الشعب، يكون مسرعا ودافعا إلى تحقيق التقارب بين عديد القوى المختلفة في الرأي وتجميعها في قوة انتخابية قادرة على إحراز النصر. إن الطريق الإنتخابي يفترض إعداد القوة السياسية التي تتقدم كبديل للحكم وإعداد الماكينة الإنتخابية الكفيلة بتحقيق هذا الإنتصار، ومن ثمَ توفير الظروف الملائمة لتعديل مسار الإنتقال. إنه السلوك السياسي الوحيد الذي يرتقي بالديمقراطية إلى مستوى الإستعداد بأن تتحوَل من مطلب حقوقي إلى نظام حكم بديل. ومن ثمَ يمكن القول أن الوعي الديمقراطي قد ارتقى إلى مستوى الوعي بمسؤولية الدولة، تماما كما الوعي الذي حرك ويحرك حركة النهضة والحركة الإسلامية بمسؤوليتها في إطار مشروعها الخاص "بأسلمة الدولة والمجتمع". ذاك الشعور بالمسؤولية الذي فرض عليها "التوحد"، هو نفسه الذي يفرض علينا الوحدة من أجل إنقاذ الجمهورية من خطر فشستة الدولة. لذلك نحن مطالبون بتأليف القوة القادرة على الإنتصار.

وعلى هذا الأساس تفقد كل الجبهات والتحالفات دورها البناء إذا لم تكن عنصرا فاعلا في بناء الجبهة المتحدة الديمقراطية الإجتماعية لإنقاذ الجمهورية. وإن كل التحالفات القائمة على أساس إذكاء الصراع داخلها بدعوى الصراع ضد الليبيرالية لا يخدم مصلحة الشعب والديمقراطية والجمهورية بل يساعد حركة النهضة على إقامة مشروعها الإستبدادي باسم الدين، ومن مازال يعتقد في إمكانية التزامها بالإتفاقات التي يمكن أن تعقدها مع بعض القوى السياسية، كما فعلت باتفاقاتها السابقة الخاصة بالحقوق الخمسة، التي أسقطتها جميعا بما فيها المساواة بين المرأة والرجل، فإنه مخطئ تمام الخطأ.

كيف يمكن لنا أن نضمن بناء جبهة ديمقراطية اجتماعية موحدة ذات مصداقية لمواجهة الإستحقاقات الإنتخابية القادمة؟

1- إن أول خطوة لبناء الجبهة هى الوحدة الديمقراطية الإجتماعية وتتمثل في تنظيم جلسات حوار، بين القوى المعنية بإنقاذ الجمهورية، حول الوضع السياسي والإنتقال الديمقراطي وسبل معالجته، حتى تتمكن من التعرف على وجهات نظرها المختلفة وتتفق على ما هي في حاجة إليه من نقاط التقاء كي تتوحَد، وتترك ما تبقى للبلورة في خضم العمل على بناء سرح الجمهورية الديمقراطية الإجتماعية العظيم.
2- وحتى تتمكن الجبهة من قطع الخطوة التأسيسية بثبات ينبغي أن تتفق منذ البداية على مرشح موحد للرئاسة وعلى عدد مرشحيها للإنتخابات التشريعية، الذي ينبغي أن يفوق ال 50 % + 1 من أعضاء مجلس النواب، على أن تكون جميع الأطراف ممثلة بصفاتها تلك، والإعداد للإنتخابات البلدية بالأسلوب نفسه. وحول الأطر الموحدة للجبهة تبنى الماكينة الإنتخابية القادرة على منازلة الماكينة النهضوية.
3- الدفاع عن مكاسب الجمهورية، الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والحضارية، في صياغة الدستور وإعلان معارضة كل المراجعات الرجعية التي أدخلتها حركة النهضة، والدفاع عن قانون انتخابي ديمقراطي يضمن تمثيلية النسيج السياسي الفكري في المجتمع التونسي.
4- العمل على أن ينهي المجلس التأسيسي عمله في آجاله وأن يحترم إجراء الإنتخابات في المواعيد التي أعلنوا عنها، حتى تتجه البلاد نحو الإستقرار.
5- ضرورة الإتفاق على برنامج انتقالي للثلاث سنوات الموالية تعالج فيه السلطة الجديدة المعضلات الأساسية الإقتصادية والإجتماعية والمتعلقة بقضايا التنمية وبمنظومة التربية والتعليم والتكوين وبالمنظومة الصحية وبالبنية التحتية والأساسية والنقل وبالإصلاح الجبائي والبنكي والمالي عموما، من أجل الإعداد للعودة للظروف العادية لسير العملية الإقتصادية.
6- ضبط خطة سياسية عملية إلى موعد الإنتخابات.

تونس 25 26 أوت 2012